تجهيز منزل الزوجية من وجهة نظر شرعية

حينما يتقدم شخص لخطبة فتاة، فقد جرت العادة في غالبية الدول العربية على أن يجلس أولياء أمري العريس و العروس و يتفقان على المهر و الشقة و الجهاز و غيره من الأمور المتعلقة بالزواج.

و على الرغم من اختلاف بعض البلدان العربية في هذا الأمر، إلا أن الاختلافات غير كثيرة، و مع الأسف فإن معظمها يكون بعيدا عن الشرع و الدين، و قد يغالي البعض في كثير من الطلبات مما يتسبب في تعطيل الزواج أو إفشاله في أحيان أخرى.

الصداق (المهر) :

قال الله تعالى في الآية الرابعة من سورة النساء :

{وَآتُواْ النِّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا}.

فالأصل في الدين أن يتقدم الخاطب إلى أهل الفتاة ثم يأتيها صداقها (مهرها)، ثم يقوم بتجهيز منزل الزوجية على حسب ما تيسر له و على قدر استطاعته، و إن طابت نفسها أن تمنحه شيئا من المهر، فيمكنه أن يأخذه حلالا له، و قد قال الله تعالى في الآية السابعة من سورة الطلاق :

{لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا}.

و يرى مذهب الحنفية أن الصداق للمرأة و ليس لوليها و قد أجمع أهل العلم على ثبوته بإتمام عقد الزواج؛ أي بمعنى آخر أنه ليس من المفترض أن تقوم بإنفاقه على تجهيز منزل الزوجية الذي هو أمر خاص بالزوج، إلا إذا تفضلت المرأة بالمشاركة في هذا الأمر، و تكون بذلك لها ثواب الصدقة و ليست ملزمة به من الناحية الشرعية.

أما مذهب المالكية فيرى أن الصداق ليس حقا خالصا للمرأة، و هي ملزمة بأن تتجهز لزوجها بما منحه لها قبل أن يدخل بها، لكنها غير ملزمة بأن تتجهز بما يزيد على الصداق الذي قام بدفعه، و إن فعلت، فهي بذلك تتصدق و لها ثوابه.

المنقولات (العفش) :

و إذا تحدثنا عن المنقولات الخاصة ببيت الزوجية (العفش)؛ فهي من الناحية الشرعية تعد دَينا على الزوج و أمانة في عنقه، و يجب أن يتم كتابة وثيقة بها حتى يضمن حقوق الزوجة في حالة حدوث الطلاق – و العياذ بالله – أو إذا قامت بطلب الخلع فتقوم بالتنازل عنها معتبرة إياها كبديل عن الصداق (المهر).

و إذا كان لم تكن هناك وثيقة، و عند كتابة عقد الزواج كان الأمر بالتراضي بين الطرفين و حدث الطلاق؛ فهو يرجع إلى الأمانة و اتقاء الله بينهما، و قد قال الله تعالى في الآية الثانية و الثمانين بعد المائتين من سورة البقرة :

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.

و قال تعالى في الآية الثالثة عشر من سورة الحجرات :

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}.

الأمانة :

و قد كان في عهد المسلمين الأوائل لا توجد وثائق للزواج، لكن التعامل كان يتم على الأمانة بين الأطراف و بعضهم؛ لذلك يجب على الناس أن ييسروا في الزواج و إذا حدث الطلاق فليتقوا الله و ألا يحتفظوا أو يأخذوا ما ليس بحق لهم، قال الله تعالى في الآية الثامنة و الخمسين من سورة النساء :

{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا}.

المراجع : –

القرآن الكريم

صفوة التفاسير لمحمد علي الصابوني

الفقه الواضح لمحمد بكر إسماعيل

التفسير الميسر لمحمد سيد طنطاوي

التعليقات

التعليق

أحمد صالح عبد اللطيف

أحمد صالح عبد اللطيف

كاتب و محرر

اترك تعليقاً